تطور الحواسيب عبر التاريخ وأجيالها المختلفة

كيف تطورت الكمبيوترات منذ اكتشافها، وما هو مستقبل الكمبيوترات

كيف تطورت الكمبيوترات منذ اكتشافها، وما هو مستقبل الكمبيوترات

عند الحديث عن الحواسيب عادة، فما يخطر بالبال هو الحواسيب المحمولة أو المكتبية فقط بالدرجة الأولى، لكن في الواقع فالكلمة تشمل العديد من المنتجات التقنية الأخرى وأي شيء يمتلك لوحة مهام منطقية بداية من المتحكمات الحرارية الخاصة بنظام التكييف، وصولاً إلى الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وحتى الساعات الذكية وتلك الرقمية غير الذكية. فالحاسوب هو أي آلة تقوم بالعمليات الحسابية بشكل آلي.

بالنظر إلى مقدار التطور الحاصل ف مجال الحواسيب منذ بداية الألفية حتى اليوم، فتطور الحواسيب يبدو حديثاً للغاية وغير ممتد تاريخياً، ومع أن العديد من الأشخاص يرون أن أول حاسوب تم اختراعه كان في السبعينيات على يد IBM حينها أو في الأربعينيات عندما قدم العالم Alan Turing آلته التي تمكنت من حل التشفير الألماني في الحرب العالمية الثانية.

فتاريخ الحواسيب أقدم من ذلك في الواقع، ومن الممكن القول بثقة أنه يبلغ من العمر بضعة آلاف من السنين. وهنا سنستعرض تطور الحواسيب من أدوات بسيطة من عيدان وحصى إلى الجهاز الإلكتروني الذي تقرأ هذا النص عبره سواء كان هاتفاً ذكياً أو جهازاً لوحياً أو ربما حاسوب محمول أو مكتبي.

الأجهزة القبل الحاسوبية

لفهم فكرة الحاسوب تماماً يجب النظر إلى الهدف الأصلي له وأصل الكلمة كذلك، ففي اللغة العربية كلمة حاسوب مشتقة من الحساب، وفي الإنجليزية الأمر مشابه تماماً فكلمة Computer هي المسمى الوظيفي لفعل الحساب، ومع أن التقنية الحديثة اليوم تبدو غريبة للغاية فبالعودة لجذورها فهي لا تعدو عن كونها آلات تقوم بالعديد من العمليات الحسابية المعقدة التي هي أصلاً سلاسل من عمليات حسابية ابسط، وبالمحصلة فجميع هذه العمليات تعود إلى العملية الحسابية الأساسية: الجمع.

أولى الآلات التي تم اختراعها لمساعدة البشر في إجراء العمليات الحسابية هي "المعداد" فهذه الأداة البسيطة للغاية والتي اخترعت منذ بضعة آلاف من الأعوام (مع مصادر متعددة تعيدها ل 3000 إلى 5000 عام مضى) ولا تزال تستخدم حتى اليوم لمساعدة الأطفال على تعلم الحساب والعمليات الحسابية البسيطة من الممكن وصفها بأول حاسوب على الإطلاق.

تطور الحساب عبر العصور كان بطيئاً للغاية، وأول تغيير حقيقي عليها كان الحاسبة الميكانيكية التي بدأت بالظهور في القرنين السادس والسابع عشر، ولعل أشهر وأهم هذه الحاسبات هي تلك التي اخترعت من قبل الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي باسكال (Pascal) في بدايات القرن السابع عشر حيث اخترعها لمساعدة والده (الذي كان يعمل كمحاسب) في عمله، لكنها لم تلق نجاحاً تجارياً بسبب تكلفتها العالية وتعقيدها الكبير حيث لم تصمع سوى 50 نسخة منها فقط.

الجيل الأول للحواسيب: الأنابيب المفرغة

الأنابيب المفرغة

أول أجيال الحواسيب الحديثة وربما أول ما من الممكن وصفه كحاسوب حديث كان آلة Mark I التي اخترعت وطورت من قبل الرياضي الإنجليزي آلان تورينج (Alan Turing) بين عامي 1940 و1946 للتمكن من فك الشيفرة الخاصة بألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، فآلة التشفير النازية المدعوة Enigma كانت واحدة من أفضل طرق التشفير في التاريخ وربما بداية علم التشفير الحديث حتى، وحاسوب Mark I كان المسؤول عن فك شيفرتها للمرة الأولى وأسهم بذلك بقلي الطاولة لصالح الحلفاء وسهل عليهم النصر في الحرب العالمية الثانية.

الجيل الأول من الحواسيب امتد بين عامي 1940 و1956، وحمل هذا الجيل اسم الأنابيب المفرغة أو أنابيب الفراغ (Vacuum Tubes) نظراً لاستخدامه إياها كمحولات ومضخمات، بينما استخدم أغشية مغناطيسية كذواكر. هذه الحواسيب القديمة كانت ميكانيكية إلى حد بعيد وضخمة للغاية، فالحاسوب الواحد كان يزن حوالي 5 أطنان ويتضمن بضعة كيلومترات من الأسلاك والوصلات مع الكثير من المسننات والقطع الميكانيكية التي تزيد فرصة التعطل.

الجيل الأول

واحدة من الأمور المثيرة للاهتمام هي أصل كلمة “Bug” في الحواسيب، فالكلمة التي تعني خطأ أو مشكلة برمجية أتت من حادثة حصلت عام 1945 في أحد حواسيب جامعة هارفرد حيث حدث خطأ في الحاسوب بسبب عدم قراءته لإحدى البطاقات المثقبة (والتي كانت أسلوب البرمجة الخاص بالحواسيب القديمة) وعند تفقد الخلل تبين انه أتى نتيجة دخول عثة (أحد أنواع الحشرات الطائرة) إلى مكان البطاقات. لاحقاً باتت كلمة حسرة (Bug) مرادفاً للخطأ البرمجي وكلمة debug مرادفاً لتصحيح الأخطاء البرمجية.

الجيل الثاني للحواسيب: الترانزستورات

الترانزستورات

مع أن هذا الجيل من الحواسيب لم يستمر سوى 7 سنوات فقط (بين عامي 1956 و1963) فربما يشكل النقلة الأهم في عالم الحوسبة بأكمله، فالانتقال يتمحور حول اختراع الترانزستورات. فهذه القطع الإلكترونية المكونة من جمع أنصاف النواقل معاً شكلت بديلاً مثالياً لنظام الأنابيب المفرغ السابق حيث كانت أكثر عملية وأسهل للتصنيع والتثبيت والصيانة وتدوم لفترات أطول كذلك مع دقة أعلى.

الانتقال إلى الترانزستورات كان مهماً للغاية من ناحية تقليل الصرف الكهربائي بشكل كبير مع استثناء العديد من الأجزاء المتحركة، ومع أن هذه الحواسيب استمرت باستخدام الذواكر التي تعتمد الأغشية المغناطيسية، فقد امتلكت "ذاكرة النواة" كذلك. بالمحصلة كانت الحواسيب المعتمدة على الترانزستورات أصغر حجماً وأقل استهلاكاً للطاقة وأسرع بشكل كبير مع ناتج حراري أصغر، لكن بالمحصلة فقد بقيت محصورة بالعمل الخطي بأن تنجز عملية واحدة فقط دون وجود أي تعدد للمهام.

الجيل الثالث للحواسيب: الدارات المدمجة

الدارات المدمجة

تطوير الترانزستورات في خمسينيات القرن الماضي كان نقطة أساسية في تاريخ الحوسبة وتاريخ العالم الحديث حتى، لكن التقنية لم تتوقف والترانزستورات التي كانت تعد معجزة تقنية باتت جزءاً من المعجزة التقنية التالية: الدارات المدمجة. هذه الدارات هي لوحات إلكترونية مصنوعة من السيليكون وتتضمن عدداً كبيراً من الترانزستورات المصغرة مصفوفة جنباً إلى جنب.

طوال 7 أعوام أخر امتدت بين عامي 1964 و1971 هيمنت الدارات المدمجة على عالم الحواسيب مسهمة بتقليص حجمها إلى أجزاء من السابق مع دفعة كبيرة في مجال الأداء والسرعة في العمليات، كما أن هذه الدارات المدمجة كانت أسهل للإنتاج الكبير مما جعل أسعار الحواسيب تنخفض بشكل كبير مقارنة بالسابق، مما مهد لاحقاً لظهور الحواسيب الشخصية المكتبية والمحمولة ومن ثم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأي جهاز يوصف بالذكي اليوم بما في ذلك الكاميرات الرقمية.

الجيل الرابع (الحالي) للحواسيب: المعالجات الصغرية

المعالجات الصغرية

كما أن الدارات المدمجة لا تعدو عن كونها مجموعة كبيرة من الترانزستورات الصغيرة المصفوفة معاً على شريحة إلكترونية، فالمعالجات الصغرية (Microprocessors) تستخدم الأسلوب نفسه لكن مع ترانزستورات أصغر وأصغر حيث أصبحت الشريحة الواحدة قادرة على احتواء ملايين الترانزستورات الصغيرة للغاية والتي استمرت بالتقلص في الحجم وصولاً إلى مقاييس غاية في الصغر مثل المعالجات الأخيرة التي تستخدم ترانزستورات بقياس 10 نانو متر فقط (النانو متر هو جزء من مليار من المتر، أو جزء من مليون من الميلي متر علماً أن سماكة الشعرة البشرية تتراوح بين 40,000 و100,000 نانو متر).

هذا التقدم الهائل في التقنية ساعد على إنتاج معالجات فائقة الأداء مقابل سابقتها وبتكلفة أقل بكثير، وتجلى الأمر في البداية مع معالج Intel 4004 الذي كان أول معالج صغري متاح تجارياً عام 1971 ممهداً الطريق لصناعة الحواسيب الشخصية والانتقال من كون الحواسيب أدوات حصرية للشركات الكبرى والمراكز البحثية والحكومات، إلى كونها أداة قابلة للاستخدام اليومي من قبل الجميع. هذا التقدم الكبير وضع شركة Intel في مكان متقدم في عالم إنتاج المعالجات والشرائح الإلكترونية، وهو مكان احتفظت به الشركة حتى اليوم.

خلال الفترة الأولى من انتشار المعالجات الصغرية بدأت الحواسيب الشخصية مثل Apple I وApple II بالظهور، وخلال بضعة سنوات فقط ظهرت الحواسيب المحمولة ولاحقاً بدأت مشغلات الألعاب بالانتشار وتبعتها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والعديد من المنتجات التقنية الأخرى التي يصعب حصرها اليوم. لكن يمكن عرض التطور الكبير الذي حققته المعالجات الصغرية بمقارنة الحاسوب الذي استخدمته ناسا لتوجيه مهماتها إلى القمر قبل 50 عاماً بهاتف ذكي متوسط من عام 2017، فالعديد من الهواتف اليوم تعمل بقوة أكبر ببضعة آلاف من الحاسوب الذي كان كافياً لتوجيه 6 رحلات إلى القمر.

الجيل الخامس للحواسيب (مستقبل الحواسيب)

مستقبل الحواسيب

لا يمكن الجزم تماماً بماهية مستقبل الحوسبة القادم، فالتقنية تتطور اليوم في عدة مجالات بشكل متزامن ولا يمكن الجزم بمعرفة أي منها ستعرف الجيل القادم، فبداية من تقنية النانو والذكاء الصنعي وصولاً إلى الحوسبة الكمومية يبدو المستقبل مجهولاً إلى حد بعيد ومثيراً للغاية مع كوننا قد نكون على بعد أشهر أو سنوات من الثورة التقنية الجديدة التي ستغير شكل الأنظمة الحاسوبية وطريقة تعاملنا معها.

في النهاية، منذ ستينيات القرن الماضي ظهر ما يسمى بـ "قانون مور" (Moore’s Law) والذي كان ملاحظة ونبوءة من أحد مؤسسي إنتل جوردون مور (Gordon Moore) حيث توقع أن عدد الترانزستورات في الإنش المربع من الشرائح الإلكترونية سيتضاعف كل عامين تقريباً، وعبر الأعوام الخمسين الماضية يبدو أن قانون مور يبلي بشكل جيد مع كون الترانزستورات تصغر أكثر وأكثر، لكن ربما نكون قد وصلنا إلى الحجم الحدي للترانزستورات اليوم، لذا يظن الكثير من الخبراء أن المستقبل سيكون حتماً للحوسبة الكمية.


آخر تحديث