الآثار النفسية لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي

هل يؤدي استخدام فيس بوك أو تويتر إلى الاكتئاب؟! وكيف يمكن أن نتجنب الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي؟

هل يؤدي استخدام فيس بوك أو تويتر إلى الاكتئاب؟! وكيف يمكن أن نتجنب الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي؟

الغالبية العظمى منَّا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل منتظم (بعضها أو كلها)، ولكلٍّ منَّا "شخصية افتراضية" يحددها أسلوب استخدامه لهذه الوسائل، فهناك من يحافظ على حضوره أكبر قدر ممكن من الوقت، مقابل من يحدد أوقات معينة ليدخل إلى فيس بوك أو تويتر.

كما أنَّ هناك من يقوم بمشاركة أدق تفاصيل حياته مع الآخرين مقابل من لا يرغب إلا بمشاركة أشياء عامة، والكثير من الصفات التي تحدد الشخصية الافتراضية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، لكن السؤال المهم هو: كيف يؤثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على صحتنا النفسية؟!، وهل التواصل مع الآخرين افتراضياً يعني قطيعة واقعية؟!، يقدم لكم موقع  لبيب بعض المعلومات والدراسات المهمة بهذا الخصوص.

التناسب طردي بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وخطر الاكتئاب!

أجرت جامعة بيتسبرغ (The University of Pittsburgh) دراسة عام 2016 نشر نتائجها موقع (forbes) ومواقع متخصصة أخرى، أشارت إلى أن العلاقة بين ازدياد وقت استخدام فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى من جهة واحتمال التعرض للاكتئاب من جهة أخرى هي علاقة تناسب طردي، أي أن التعرض للاكتئاب يزداد مع ازدياد ساعات استخدام المواقع الافتراضية، وتعتبر هذه الدراسة من أحدث وأوسع الدراسات التي أجريت بهدف تحديد الارتباط بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب، حيث تم الوصول إلى هذه النتائج من خلال إجراء استبيان بمشاركة 1787شخص في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح أعمارهم بين 19 و39عاماً.

تويتر

نتائج دراسة جامعة بيتسبرغ عن علاقة الاكتئاب باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي

تضمن الاستبيان معلومات عن استخدام الأشخاص المشاركين لمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ثم قام فريق البحث وعلى رأسهم Dr. Brian A. Primack بربط نتائج الاستبيان مع أداة تقييم الاكتئاب، وكانت أبرز النتائج كما يلي:

  1. الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي لفترات طويلة نسبياً أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بمعدل واحد فاصلة سبعة مرَّة (1,7) مقارنة بالأشخاص الذين يستخدمون تلك الوسائل لفترات أقصر.
  2. الأشخاص الذين قاموا بتفقد حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعية مرات أكثر خلال أسبوع (فترة الدراسة) أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بمعدل اثنان فاصلة سبعة مرَّة (2,7) مقارنة بالأشخاص الذين تفقدوا حساباتهم مرات أقل.
  3. كما أن الذين يستخدمون عدَّة وسائل تواصل في وقت واحد معرضون للإصابة بالاكتئاب أكثر بثلاثة أضعاف مقارنة مع الذين يستخدمون وسيلة واحدة أو موقعاً واحداً.

لماذا قد تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى الاكتئاب؟

الاكتئاب

على الرغم من موافقة معظم الباحثين والأوساط العلمية المتخصصة في العلوم النفسية الاجتماعية على وجود ارتباط بين الصحة النفسية واستخدام التواصل الاجتماعي، إلى أنَّهم يختلفون حول طبيعة هذا الارتباط وتأثيره، كما يختلفون جوهرياً حول هوية المؤثر، ويطرحون السؤال المهم: هل يؤدي الاكتئاب إلى فرط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أم أن فرط استخدام التواصل الاجتماعي يؤدي إلى الاكتئاب؟، ربما يمكن القول أن كلاهما يفضي إلى الآخر في حلقة مفرغة.

لكن السؤال الأكثر عملية هو عن الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهي متعددة ومتشعبة نذكر لكم أبرزها.

التجارب السلبية التي نتعرض لها عبر الإنترنت تؤدي إلى الاكتئاب

أجرت جامعة بروان (Brown University) دراسة نشر ملخص نتائجها موقع (Psychology Today)، حيث أجريت الدراسة على 264من الشباب المراهقين، والقصد من الدراسة التعرف على مدى تعرضهم لتجارب سلبية أثناء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والعلاقة بين هذه التجارب والصحة النفسية.

وتم أخذ مجموعة من البيانات والمؤشرات التي من شأنها أن تفيد موضوع الدراسة، مثل ساعات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وقياس الاكتئاب، متوسط الدخل الشهري، التحصيل العلمي...إلخ، وتتميز عينة الأشخاص الخاضعين للدراسة أنَّهم فريق من المتطوعين الذين تتم دراستهم مذ كانوا أطفالاً، ما أتاح للباحثين فرصة التعرف على تأثير وسائل التواصل الاجتماعية على صحتهم النفسية فور تعاملهم معها، وانتهت الدراسة إلى أنَّ:

  • 82% من المشاركين تعرضوا لتجربة سلبية واحدة على الأقل أثناء استخدامهم لموقع فيس بوك.
  • إضافة إلى أنَّ 24% من المشاركين في الدراسة عانوا من اكتئاب متوسط إلى شديد.
  • الأشخاص الذين أبلغوا عن أربع تجارب سلبية أو أكثر يواجهون خطراً أكبر من الذين تعرضوا لتجارب سلبية أقل.
  • يمكن القول أيضاً أنَّ هذه الدراسة تؤكد التأثير السلبي لموقع فيسبوك على الصحة النفسية، لكن ما زال الباحثون الذين أعدوا الدراسة يعتقدون أنَّهم بحاجة لمزيد من التجارب والدراسات للوصول إلى نتيجة قطعية إن كان التواصل الاجتماعي سبباً رئيسياً أم عاملاً مساعداً.

الإدمان على استخدام مواقع التواصل الاجتماعية قد يؤدي إلى الانفصال عن الواقع

أشار الباحثون في الدراستين المذكورتين سابقاً إلى هذه النقطة، وهي أنَّ مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بديلاً لا يستهان به عن الحياة الواقعية، والاستخفاف بتأثيرها أو اعتبارها مجرد نوع من التسلية قد يؤدي إلى نتائج كارثية، حيث أن بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعية يتخلون تماماً عن حياتهم الواقعية عن طريق إنشاء حياة موازية عبر مواقع التواصل الاجتماعية، وهذا قد يؤدي إلى الشعور بالوحدة والعزلة (عكس المتوقع) وبالتالي إلى درجات خطيرة من الاكتئاب.

الغش

الغيرة والحسد من أبرز أسباب الاكتئاب الناتج عن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي

من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب عند استخدام مواقع التواصل الاجتماعي هي الشعور بالغيرة والحسد، حيث يطلع المستخدمون على صور وأخبار مقتطعة من حياة الأصدقاء الافتراضيين سواء كانوا افتراضيين بالمطلق أم بين بين، غالباً ما تؤدي إلى شعور بالغيرة والحسد لاعتقاد المستخدم أنَّ هذه الصورة هي الحقيقة المطلقة، كما أنَّ الشعبية لأشخاص معينين من الأصدقاء الافتراضيين تغذي الشعور بالغيرة والحسد لدى الأشخاص الأقل شعبية.

العالم ينفجر على صفحات التواصل الاجتماعي!

على الرغم من التقدم الذي يحققه الإنسان في مجالات مختلفة، وعلى الرغم من كون العالم أصبح أكثر أماناً من ذي قبل، وأنَّ الإنسانية بمفهومها الحديث آخذة بالانتشار على حساب الهمجية القديمة (على عكس الاعتقاد السائد) لكن لدى أغلب الناس شعور أن العالم يسقط وينفجر، وأن الأخلاق تتدهور والدموية في ازدياد والحروب أكثر من ذي قبل، ما حصل فعلياً أنَّ في جيب كل منا وكالة أنباء تنقل له أبسط المشاكل التي تقع في أقصى نقطة في العالم.

إذا ما عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً وفكرنا بتكلفة نقل الخبر التلفزيوني أو الصحفي قبل الإنترنت، سنجد أن وسائل الإعلام كانت ملزمة بتقديم الأخبار المهمة فقط والأكثر أهمية، كالحرب العالمية الثانية مثلاً التي راح ضحيتها حوالي من 60 إلى 80مليون إنسان حول العالم خلال ست سنوات تقريباً، أمَّا مع تحول الخبر إلى سلعة غير مكلفة فقد أصبح نقل أدق تفاصيل الأحداث أمراً أسهل بمئات المرات، هذا لا يعني أنّها أقل قيمة بالضرورة، لكن بالتأكيد يعني أن العالم لا ينفجر كل يوم كما يبدو.

أخطار وسائط التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين

الأثر الإجتماعي

دراسة أجرتها (American Academy of Pediatrics) تشير إلى الأخطار التي قد يتعرض لها الأطفال والمراهقون نتيجة تعاملهم مع وسائل التواصل الاجتماعية، حيث أنَّ أكثر من 22% من المراهقين يسجلون دخولهم أكثر من عشر مرات  في اليوم الواحد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتكمن الخطورة الأساسية في استخدامهم لهذه الوسائل أنَّهم يمرون في مرحلة عمرية حساسة يحدث خلالها جزء كبيرة من تطورهم العاطفي والمعرفي، بالتوازي مع تعرضهم لتجارب سلبية ومحتويات غير لائقة وغير خاضعة للرقابة.

قد تؤدي لانجرافهم إلى تجارب خطيرة كتعاطي المخدرات أو الإدمان، فضلاً عن تعرضهم لمحاولات الاحتيال والابتزاز، يكفي أن نتذكر الأحداث الأخيرة بعد اتاحة خدمة البث المباشر عبر فيسبوك، حيث تم بث العديد من المحتويات الخطيرة كعمليات قتل أو انتحار أو إساءة معاملة.

ومن بين الأخطار التي ذكرتها الدراسة أيضاً معاناة الأطفال والمراهقين الذين يستخدمون التواصل الاجتماعي من انخفاض تقدير الذات والشعور بالوحدة والعزلة نتيجة إحصاء التعليقات وتسجيلات الإعجاب وسباق عدد الأصدقاء.

نصائح لتجنب الآثار السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي

  1. من البديهي أن ترشيد استخدام مواقع التواصل الاجتماعية سيكون في طليعة الإرشادات التي من شأنها أن تخفف الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي.
  2. لا يكفي فقط أن نقوم بتحديد ساعات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن تكون الفترة قليلة (يفضل أقل من 60دقيقة يومياً) كما يجب أن تكون مرات الدخول مضبوطة، ويفضل أن نقوم بتعطيل الإشعارات على الهواتف النقالة لنتمكن من ضبط الأمور أكثر.
  3. ربما لن نتمكن من تحديد عدد المنصات التي يعتبر استخدامها أمناً في واقت واحد، لكن لا بد من الإشارة مجدداً أن تعدد المنصات يضاعف احتمالات التعرض للاكتئاب.
  4. إذا كنتم تلجؤون لمواقع التواصل الاجتماعي لتخفيف الضغط النفسي أو تحقيق الشعور بالانتماء؛ فيبدو أنَّكم تقصدون المكان الخاطئ، لا بد من إعادة تقييم تأثير هذه الوسائل على حياتكم.
  5. الاقتراب أكثر من أشخاص نعرفهم واقعياً ونعرف تفاصيل أكثر عن حياتهم سيكون أكثر صحية من التعامل مع أشخاص افتراضيين بالمطلق، هذا لا يعني التخلص من الأصدقاء الذين لا نعرفهم شخصياً، ولكن وضع كل صديق في مكانه الصحيح.
  6. لا بد للأبوين أن يفرضوا رقابة على استخدام أطفالهم لمواقع التواصل الاجتماعي من حيث النوعية والمدة والطريقة، ولا بد من توعيتهم بطبيعة هذه المواقع "الافتراضية" ومخاطرها المحتملة.
  7. أخيراً... يجب أن تحاولوا تقنين المحتوى الذي تتعرضون له من خلال فلترة الأصدقاء والمتابعين، وإعادة التأكد من سجل الإعجاب بالصفحات والقنوات، إضافة إلى تعديل خصوصية المنشورات بحيث تتجنبون أي تجارب سلبية أو رسائل مزعجة.

لا نملك الرجوع إلى الوراء خطوة، فما قدمته التقنيات الحديثة من تسهيلات أصبح أمراً لا يمكن الاستغناء عنه ببساطة إلَّا تحت ظروف قاهرة، لكن الوعي بآثار هذه التقنيات هو ما يعينا أولاً وأخيراً، لذلك لا بد من إعادة التفكير في مدى وطريقة استخدام مواقع الواصل الاجتماعي خاصة بالنسبة للأطفال المراهقين.


آخر تحديث